عبد الله بن أحمد النسفي
72
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 84 إلى 87 ] فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 ) والأزّ والهزّ إخوان ومعناهما التهييج وشدة الإزعاج . 84 - فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بالعذاب إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي أعمالهم للجزاء وأنفاسهم للفناء ، وقرأها ابن السماك عند المأمون « 1 » فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد . 85 - يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ركبانا على نوق رحالها ذهب ، وعلى نجائب « 2 » سروجها ياقوت . 86 - وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ الكافرين سوق الأنعام لأنهم كانوا أضلّ من الأنعام إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً عطاشا ، لأنّ من يرد الماء لا يرده إلا لعطش ، وحقيقة الورد المسير إلى الماء فيسمّى به الواردون ، فالوفد جمع وافد كركب وراكب ، والورد جمع وارد ، ونصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يوصف ، أو « 3 » اذكر يوم نحشرهم « 4 » ذكر المتقون بأنهم يجمعون إلى ربّهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفود على الملوك تبجيلا لهم ، والكافرون بأنهم يساقون إلى النار كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء استخفافا بهم . 87 - لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ حال ، والواو إن جعل ضميرا فهو للعباد ودلّ عليه ذكر المتقين والمجرمين لأنهم على هذه القسمة ، ويجوز أن يكون علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث ، والفاعل من اتخذ لأنه في معنى الجمع ، ومحل من اتخذ رفع على البدل من واو يملكون ، أو على الفاعلية ، أو نصب على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة من اتخذ والمراد لا يملكون أن يشفع لهم إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً بأن آمن . في الحديث : ( من قال لا إله إلا اللّه كان له عند اللّه عهد ) « 5 » وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه ذات يوم : ( أيعجز أحدكم أن
--> ( 1 ) المأمون : عبد اللّه بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور أبو العباس سابع خلفاء بني العباس ولد عام 170 ه ومات عام 218 ه ( الأعلام 4 / 142 ) . ( 2 ) النجائب جمع نجيبة وهي النوق ( انظر القاموس 1 / 130 ) . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) أي . ( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) نحشر . ( 5 ) كنز العمال 2 / 3869 وفيه كتب له بها عند اللّه عهد .